الرئيسية / مقالات / الانتخابات السابقة واللاحقة باطلة دون قانون الأحزاب

الانتخابات السابقة واللاحقة باطلة دون قانون الأحزاب

بقلم الدكتور / طلال الشريف / القاعدة القانونية هي في الأساس “توخى المنفعة ومنع الضرر”، وغياب قانون لازم أحل بنا الضرر كمجتمع وهو ضرر عام وصل لحد إزهاق أرواح وجرائم جماعية تتطلب محاكمات وليست مكافآت لمن لا يدري.

كيف خدعنا؟ وهل صحونا؟

أحزاب تتحرك في مجتمع ما، وتشارك في إنتخابات يسمونها إنتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة بدون قانون أحزاب، هذا كذب وتدليس على الناس وعلى الديمقراطية والشفافية والنزاهة، وإنتخابات لأحزاب دون قانون ينظم عملها، هو قمة الفساد والإفساد، وهذا ما جرى بالضبط في مجتمعنا منذ العام 1996 ومرورا بالإنقسام وحتى اليوم وكوارث إنسانية وضياع أجيال وأجيال، ولاحظوا التالي:

قانون الأحزاب المغيب عمدا وبتواطؤ كل الأحزاب بلا إستثناء.. ماذا فعل بنا وبمجتمعنا وقضيتنا؟.

ولكي نتأكد مما أقول لابد من التذكير بوظيفة أو بفائدة وجود قانون الأحزاب بإختصار شديد،  ومقارنة ذلك بما حدث من دمار في مجتمعنا.

قانون الأحزاب ينظم ما يلي:

1- عضوية المنضوين لهذه الأحزاب وانتخاباتها الداخلية وديمقراطيتها، ويمنع منتسبي الأجهزة الأمنية والجيش الوطني من العضوية الحزبية قبل إنتهاء مدة تجنيدهم أو إنتهاء عملهم، لمنع تعدد الولاءات في وظائف خطرة كالأمن التي يكون ولاؤها الأول والأخير لمنظومة الأمن فقط التي في الأصل تمثل كل الشعب ، ولذلك يحاكم المنتسبون لأجهزة الأمن أمام محاكم عسكرية وليست مدنية، لخطورة خروجهم عن القانون، وتكون محاكمات سريعة وقاسية للردع ومنع تكرار الخروج عن القانون، لأنهم في الأصل حماة البلد أو الدولة والنظام العام، وليسوا ممثلي أحزاب.

2- قانون الأحزاب ينظم مالية الحزب ويبين مقاصد صرفها ورقابتها ومصادر تمويلها.

3- قانون الأحزاب ينظم عمل صحافة الحزب ومنشوراتها والخطوط العريضة لإعلامها بعيدا عن لغة التهديد والإرهاب والحفاظ على حقوق الإنسان التي أقرتها الشرعات الدولية.

إن أي ثغرة في هذه البنود الثلاثة تؤدي لتجاوزات خطيرة على المجتمع ومسيرته، وقد تحدث إنتهاكات للحقوق تهدد السلم الأهلى ومحاكم طويلة، الكل يلاحظها في محاكمات السياسيين والأحزاب عالميا بسبب تمويل خارجي أو غير قانوني لحملاتهم الانتخابية، وآخر مثال مازال حيا هي  محاكمات بنيامين نتنياهو وقبله ساركوزي وترامب من خلال التدخل الروسي، فما بالكم بالكوارث التي تحدث في غياب قانون الأحزاب كما في فلسطين.

خذوا مثالا حيا في بلدنا وهو “الإنقسام” والحالة السابقة والحالية واللاحقة عليه، وراجعوا بهدوء لتروا أن الإنقسام حدث بالضبط لغياب قانون الأحزاب، لأن عناصر الأمن في حماس وفتح هم منتسبون للأجهزة الأمنية، وهم أعضاء عسكريون أصلا في أحزابهم، وهذا ممنوع لو كان لدينا قانون أحزاب، فإما أعضاء بالحزب أو منتسبين للأجهزة الأمنية.

في موضوع مالية الحزب التي ينظمها قانون الأحزاب، نرى أن التمويل الخارجي غير القانوني هو السبب الأكبر للحصول على أسلحة ولوجستيات الأحزاب واستقطابها للجمهور، سواء في الحصول على الصوت الانتخابي أو المناصرة في حالة الاشتباك كما كانت في عملية الانقلاب الحمساوي.

أما موضوع غياب قانون الأحزاب عن الصحافة والإعلام الحزبي فهو موضوع مخزي وكانت له مفاعيله الخطرة في الانقسام والتشويه والتكفير والاستئصال والتحريض الذي كاد يصنع حربا أهلية.

نقول لكل من تواطأ أو مازال يتواطأ علي تغييب قانون الأحزاب: إن مقولة العقد الماضي، بأننا “نستطيع المواءمة بين الثورة والدولة”  قد ثبت فشلها، أو بالأحرى قد فشلنا كأحزاب في هذه المواءمة بامتياز،  فإما ثورة، ومعها الابتعاد عن كل ما يمت إلي القانون المدني بشيء، ونلغي عملية الانتخابات من أصلها، ونلغي الوزارات، وننطلق من جديد نحو تحرير الوطن بكل أشكال، وأدوات، ووسائل الثورة، أو الانخراط في صناعة المجتمع المدني بكل المعايير، ونتحاكم إلي الديمقراطية الحقيقية وقوانينها لحين إمكانية التحرر بالوسائل السلمية..  أما أن نعيد الاختبار الذي فشلنا فيه، فهذه فهلوة غير مسؤولة. ولا يجوز المزايدة برفع الشعارات، دون إمكانية لإدارة البلد، أو إمكانية للتحرر كما هو حادث.

نعود لنؤكد على أهمية المال وقانون الأحزاب الذي ينظم ويضبط الأموال التي تستجلبها الأحزاب دون رقابة، أو معرفة مصادرها، وهذا يؤدي إلي امتدادات للخارج، وما لذلك من تأثيرات علي الصف الفلسطيني، وكفانا التسيب الحادث في كل مناحي الحياة الفلسطينية، وعلي الأحزاب البداية بنفسها بالشفافية لكي يعلموا الجمهور الطريق الصواب، بدلا من أن يعلموهم الالتفاف علي القوانين، وكذلك وجود قانون الأحزاب ليرفع من وعي الجمهور بماهية وقانونية ومالية الأحزاب. فكيف لحزب يعمل بدون ترخيص، وبدون نظام داخلي، وبدون انتخابات داخله، وعدم ممارسة الديمقراطية بين أعضائه، أن يمارس الديمقراطية علي الجمهور؟ وكذلك كيف سينتخبه الجمهور بدون معرفة مصدر التمويل لديه، وبدون معرفة أوجه الصرف، وكيف يتصرف بالمال العام في نشاطه وبين أعضائه؟.. وللعلم فإن مالية الأحزاب، هي مال عام أيضاً، فكيف تدعي الأحزاب، وتتشدق بالنقد، لمن ينهب المال العام، وماليتها لا يعرف أحد أوجه الصرف فيها، فكفانا مؤسسات، وجمعيات، وتجمعات، ومشاريع هنا وهناك لا يعرف أحد مصادر تمويلها، وأوجه الصرف فيها، وكلنا يعرف ماذا يدور في كل التجمعات الفلسطينية التي تجلب المال من غياب للشفافية، بل أقول إن هناك تواطؤا من الجميع لتمرير كل ذي مصلحة، لأنه يمارس نفس التقاليد، وذلك، لأن الفوضى، والفساد، والتزوير، والهيمنة لمراكز استجلاب المال، تضرب بأطنابها كل المجتمع الفلسطيني، وهم قد تعلموا من الأحزاب التزوير والتحايل والمراوغة في موضوع المال، مما أفسد الكثيرين ووجد محترفو التزوير والتدقيق المزور وظائف كبيرة في مؤسساتنا وبلدنا بشكل عام.

علي الأحزاب، أن تثبت أنها نموذج نزيه، وشفاف، ويتحمل المسؤولية للنهوض بالمجتمع الفلسطيني، وليس بتدريب أعضائها علي كيفية التهرب من القوانين، وبتقديم نماذج للناس في أساليب التحايل والفساد والإفساد.

أقولها بصراحة: إذا لم يكن لدينا قانون للأحزاب، فابشروا بفساد متواصل، وبفوضى مستدامة، وصراعات دامية، وتوالد لأحزاب، ومؤسسات، وشلل، وجماعات الاسترزاق، باسم الوطن والدين والفقر والجوع والمرض، التي أطاحت بقيم الحضارة، ومنظومة الأخلاق الفلسطينية، وكذلك أخرت التحول الديمقراطي الحقيقي، في ظل غياب النظام، والقوانين، وكذلك، في ظل غياب المحاسبة، والرقابة، والشفافية، من قبل الداعين لها شفاهة وكذبا على شاشات التلفاز وفي الاجتماعات والندوات، وأمام الداعمين والممولين، فهي للاستعراض فقط، والضحك علي الذقون.

لن يصلح مجتمع به أحزاب، هي أقرب للمزيفين، والفاسدين، من الثوريين، والديمقراطيين، الذين يدعون القيامة علي أقدس قضية في التاريخ، ويتآمرون ويفسدون شعبا هو الأكثر معاناة، وغلباً، وبؤساً علي مر الأيام .

 إن غياب قانون الأحزاب، يؤشر عليكم  جميعا بأنكم متواطئون علي حساب القضية، ولا تريدون بناء مجتمع قوي، يستطيع المقاومة عند لزوم المقاومة، ويستطيع التفاوض عند لزوم التفاوض.

غياب قانون الأحزاب، يعني استمراركم في الأحزاب والسلطة في تضليل الشعب الفلسطيني، وأخذه رهائن لمصالحكم، واشكالياتكم التي مللناها، وهو دليل واضح على بطلان ما سبق من انتخابات ونتائجها وما هو قادم من انتخابات ونتائجها، فما بني أو سيبنى على باطل فهو باطل.

شاهد أيضاً

القطاع الزراعي الأوكراني وحرب الأسواق

 الدكتور خليل عزيمة – باحث وأكاديمي يرتفع الطلب على الغذاء مع نمو سكان العالم، وفقا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.